
دليل زيارة
قصر الحمراء وجنة العريف (غرناطة)

بقلم د. عبد المجيد بن محمد المدرع · ٤ مصادر
ابدأ من «باب الشريعة»، المدخل الرئيس القديم لهضبة الحمراء، وهو عقد شاهق يحمل اسم السلطان يوسف أبي الحجاج وتاريخ إنشائه سنة ٧٤٩هـ، ثم اصعد إلى «القصبة»، أقدم أجزاء الحمراء، وقف على «برج الحراسة» (Torre de la Vela) المطل على فحص غرناطة.
بعدها تدخل القصور النصرية في الموعد المطبوع على تذكرتك. فقصر قمارش أولًا، وفيه «المشور»، ثم «فناء البركة» أو فناء الريحان، ثم «بهو قمارش» (بهو السفراء) تحت أعظم الأبراج، وفيه كان مجلس العرش. وانتقل بعده إلى قصر السباع، ففيه «فناء السباع» ونافورته التي نُقشت حولها أبيات ابن زمرك، و«قاعة بني سراج» وقاعة الأختين وقاعة الملوك (قاعة العدل)، ثم «المنظرة» المطلة على الحديقة. وتابع شرقًا في ممشى الأبراج، ثم اصعد إلى «جنة العريف»، مصيف السلاطين، بفنائها المائي الطويل.
وستقرأ على الجدران شعار بني نصر «ولا غالب إلا الله» في كل ركن.
عمليًّا: احجز من الموقع الرسمي قبل الزيارة بأسابيع، ولا تتأخر عن موعد القصور النصرية، فالموعد لا يقبل التأخير. وخصص للزيارة نصف يوم على الأقل.
القراءة المطوّلة
الحمراء ليست قصرًا واحدًا، بل مدينةٌ ملكيةٌ مسوَّرة كاملة، قامت فوق هضبة «السبيكة» المشرفة على غرناطة، بين وادي حَدَرُّه (Darro) شمالًا ووادي الأشجار جنوبًا، وتطلّ من ورائها قمم جبل شُلَير (سييرا نيفادا) المكللة بالثلج. وللموضع تاريخ أقدم من بني نصر؛ فقد عرفت المصادر الأندلسية «القلعة الحمراء» منذ فتن القرن الثالث الهجري، وأحاط باديس بن حبوس الزيري التلَّ بسور في القرن الخامس. ثم جاء محمد بن يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر، صاحب أرجونة، فدخل غرناطة سنة ٦٣٥هـ/١٢٣٨م، واتخذها حاضرة لملكه، وشرع في بناء حصنه فوق الموضع القديم، وجلب إليه الماء من نهر حَدَرُّه بساقية ما زالت تغذّي الحمراء إلى اليوم، وبنى أبراج القصبة ومنها برج الحراسة. ويذكر ابن الخطيب أن السلطان الغالب بالله كان يجلس للناس في مقصورة «بإزاء الحمراء، قبل بناء الحمراء».
وتعاقب على الحمراء بعده ملوك بني نصر (بني الأحمر) الذين ينتسبون إلى سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري، وشعارهم «ولا غالب إلا الله» الذي ستقرؤه في كل ركن. فبنى محمد الثاني الفقيه وحفيده محمد الثالث أجزاء من الحصن والقصور والمسجد الجامع، ثم بلغت الحمراء أوج زخرفها في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي على يد ثلاثة: أبي الوليد إسماعيل الأول، وابنه أبي الحجاج يوسف الأول (٧٣٣–٧٥٥هـ) باني بهو قمارش وباب الشريعة، وحفيده محمد الخامس الغني بالله باني قصر السباع. وبقيت الحمراء مقرًّا للحكم قرابة قرنين ونصف، حتى سلّمها آخر ملوكها أبو عبد الله محمد الثاني عشر (الذي يسميه الإسبان Boabdil والملك الصغير) للملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيلا في ٢ ربيع الأول ٨٩٧هـ / ٢ يناير ١٤٩٢م.
أما الاسم فالراجح عند محمد عبد الله عنان أنه موروث من «القلعة الحمراء» القديمة التي قام قصر ابن الأحمر على أطلالها، لا أنه نسبة إلى بني الأحمر أنفسهم؛ وقيل: لاحمرار أسوارها المبنية بالطابية والآجر من تراب الهضبة الغني بأكسيد الحديد، وقيل: لحمرة المشاعل التي كان البناء يجري ليلًا على ضوئها. وتمتد الهضبة نحو ٧٤٠ مترًا طولًا ونحو ٢٠٠ متر عرضًا، وتنقسم الحمراء إلى أربعة أقسام كبرى ينبغي أن يتصورها الزائر قبل أن يدخل: (١) القصبة العسكرية في الطرف الغربي، (٢) القصور النصرية (المشور وقمارش والسباع) في الوسط على الحافة الشمالية، (٣) المدينة السلطانية التي كان يسكنها الخدم والصنّاع والموظفون بمسجدها وحماماتها في الجهة الجنوبية الشرقية، (٤) قصر جنة العريف وبساتينه على تلٍّ مستقل إلى الشرق، خارج الأسوار. وقد أضاف الإسبان بعد السقوط قصر كارلوس الخامس وكنيسة القديسة مريم ودير الفرنسيسكان، وأُهملت الحمراء قرونًا حتى أعيد ترميمها منذ القرن التاسع عشر، وأُدرجت في قائمة التراث العالمي لليونسكو سنة ١٩٨٤م، ويديرها اليوم «مجلس الحمراء وجنة العريف» (Patronato de la Alhambra y Generalife).
أولًا: الاسم والجذور
الحمراء أقدم من الدولة النصرية. يقول عنان: «وللحمراء تاريخ قديم يرجع إلى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) أيام الدولة الإسلامية الكبرى. وقد كانت يومئذ قلعة متواضعة» (عنان، دولة الإسلام في الأندلس ٥/ ٢٨٩). وينقل عنان عن شاعر من عصر الفتن هو عبد الله العبلي قوله: «وفى القلعة الحمراء تبديد جمعهم ... وفيها عليهم تستدير الوقائع» (٥/ ٢٨٩). وخلاصة ما يذكره بعد ذلك أن باديس بن حبوس الصنهاجي، في أوائل القرن الخامس، أحاط التل بسور وأنشأ فيه قصبة سُمّيت بالقلعة الحمراء تجديدًا لاسمها القديم. ثم جاء مؤسس الدولة النصرية، قال عنان: «ولما غلب محمد بن الأحمر على غرناطة فى سنة ٦٣٥ هـ (١٢٣٨ م)، أنشأ فوق هذا الموقع القديم، وداخل الأسوار، حصنه أو قصره الذى أطلق عليه اسم الحمراء، وجلب له الماء من نهر حدرُّه، واتخذه قاعدة للملك» (٥/ ٢٨٩). وأما سبب التسمية فيعرض عنان ثلاثة تفسيرات: احمرار الأبراج والآجر، والمشاعل الحمراء التي قيل إن البناء جرى على ضوئها ليلًا، وقيام قصر ابن الأحمر على أطلال القلعة الحمراء القديمة. ويرجّح عنان التفسير الأخير، ويستدل بأطلال «قلعة الأبراج الحمراء» (Torres Bermejas) المجاورة (٥/ ٢٨٩–٢٩٠).
ثانيًا: مراحل البناء
مرّ البناء بثلاث مراحل كما يلخصها عنان (٥/ ٢٩٠):
- محمد الأول ابن الأحمر: الأسوار والأبراج، ومنها برج الحراسة.
- محمد الثاني الفقيه: أنشأ الحصن والقصر الملكي في أواخر القرن السابع.
- محمد الثالث: أنشأ مسجدًا بديعًا في موضع كنيسة سانتا ماريا الحالية. ويحيل عنان في ذلك على «اللمحة البدرية» ص ٥٠ و«الإحاطة» ١/ ٥٥٤–٥٥٥، ولم نرجع إلى اللمحة مباشرة لأنها غير منزّلة في المكتبة. ولم يبق من هذا المسجد إلا مصباح برونزي محفوظ في متحف مدريد الوطني.
ثم بُنيت معظم الأجنحة الملكية في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، في عهد أبي الوليد إسماعيل وابنه يوسف أبي الحجاج وحفيده محمد الخامس الغني بالله. ويقول عنان: «وتدين الحمراء بفخامتها الرائعة إلى السلطان يوسف أبى الحجاج، الملك الشاعر والفنان الموهوب» (٥/ ٢٩٠). فهو الذي أكمل بهو قمارش وبرجه، وأنشأ باب الشريعة الذي يحمل اسمه وتاريخ ٧٤٩هـ. وأما فناء السباع فمن إنشاء محمد الخامس، قال عنان: «وما زال اسمه ماثلا فى مواضع كثيرة من هذا الجناح» (٥/ ٢٩٦).
ثالثًا: الحمراء في نصوص ابن الخطيب
كانت الحمراء عنوان الدولة في رسائلها الديوانية. ففي رسالة كتبها ابن الخطيب عن سلطانه إلى الضريح النبوي ترد هذه الصيغة: «من حمراء غرناطة، حرسها الله تعالى، دار ملك الإسلام بالأندلس» (الإحاطة ٤/ ٤٧٢). وصيغة «من حمراء غرناطة حرسها الله» تتكرر في رسائل كثيرة نقلها المقري في «نفح الطيب»، منها ١/ ١٨٧ و١/ ٥٠٨. وفي «الإحاطة» أيضًا، في ترجمة إبراهيم بن عبد الله النميري، أبيات قالها وقد تذكّر الحمراء وبابها المعروف بباب الفرج: «أقول وحمراء غرناطة تشوق ... تشوق النّفوس وتسبي المهج»، وختمها بقوله: «وما لي في عرج رغبة ... ولكن لأقرع باب الفرج» (الإحاطة ١/ ١٨٢).
رابعًا: النقوش والشعر على الجدران
ينقل عنان أن في بهو قمارش عبارة مكررة نصها: «عز لمولانا السلطان أبى الحجاج»، وأن شعار بني نصر «ولا غالب إلا الله» يتخلل جوانبه كلها (٥/ ٢٩٤). وينبّه إلى أن زخارف القبة الخشبية هي التي حفظت نقوشها الأصلية، وأن نقوش الجدران تجديد قام به الفنانون الإسبان. وفي فناء السباع نُقشت على حوض النافورة أبيات من قصيدة ابن زمرك، ومطلعها كما نقله عنان: «تبارك من أعطى الإمام محمدا ... مغانىَ زانت بالجمال المغانيا» (٥/ ٢٩٦). ويرى عنان في تكرار الشعار معنى آخر، فهو عنده «يبعث إلى النفوس شعور النبؤة والنذير» (٥/ ٢٩٨). وننبّه إلى أننا لم نجد ديوان ابن زمرك ولا قصائده الكاملة في الكتب المنزّلة، فما أثبتناه من شعره هو ما نقله عنان وحده.
خامسًا: القاعات الكبرى
الأرقام الآتية كلها من عنان (٥/ ٢٩٤–٢٩٨):
- بهو قمارش: طوله ثمانية عشر مترًا وعرضه أحد عشر، وتعلوه قبة خشبية ارتفاعها ثلاثة وعشرون مترًا. وكان فيه مجلس العرش، ولذلك سُمّي أيضًا «المشور».
- فناء السباع: طوله خمسة وثلاثون مترًا وعرضه عشرون، وتحمل أروقته مائة وأربعة وعشرين عمودًا من الرخام الأبيض.
- قاعة بني سراج: تزعم الأسطورة أن البقع الداكنة في حوضها دماء بني سراج.
- قاعة الملوك: في سقفها صور عشرة فرسان، يقول بعض الباحثين إنهم ملوك غرناطة.
- قاعة الأختين: سُمّيت بلوحين رخاميين متساويين في أرضها.
سادسًا: حكايات من آخر أيام غرناطة
يروي عنان أن السلطان أبا الحسن حجر على زوجه عائشة الحرة وولديها في برج قمارش (٥/ ٢٠٠). ويروي أن أبا عبد الله، آخر سلاطين غرناطة، جمع الفقهاء وأكابر الجماعة في بهو الحمراء الكبير للنظر في شروط التسليم (٥/ ٢٥٤). وفي ٢ يناير ١٤٩٢م رُفع الصليب على برج الحراسة (٥/ ٢٩٢). ثم نسجت الرواية الإسبانية حول المكان أساطير الكنوز المرصودة، وقصة أن الحمراء لا تسقط حتى يبلغ لسانٌ في أسفل البرج الخارجي موضع القفل (٥/ ٣٠١).
سابعًا: جنة العريف
يصفها عنان بأنها صرح صغير أنيق على ربوة مستقلة في شمال شرقي الهضبة، يقوم على ساحة فسيحة في وسطها بركة ماء. ويقول: «وقد كان قصر جنة العريف فيما يبدو مصيفاً أو متنزهاً لسلاطين غرناطة، يؤمونه للاستجمام والراحة» (٥/ ٢٩٩).
ثامنًا: ما أصاب الصرح بعد السقوط
عدّد عنان ما أصاب الحمراء بعد السقوط (٥/ ٢٩٩–٣٠٠):
- بنى الإمبراطور شارلكان قصره سنة ١٥٢٦م، وهدم معظم القصر الشتوي القديم.
- انفجر مصنع بارود قريب سنة ١٥٩٠م فأضرّ بالحمراء.
- نسف الفرنسيون بعض أبراجها. وتاريخ ذلك في المطبوع «١٨٠٢م»، والصواب ١٨١٢م عند انسحاب جيش نابليون. وهذا استنتاج منا يستحق التدقيق في التحقيق.
تاسعًا: مسار مقترح
١) باب الشريعة، ثم ميدان الأجباب (بلاثا دي لوس ألخيبيس).
٢) القصبة وبرج الحراسة.
٣) القصور النصرية في موعدها: المشور، ثم فناء الريحان، ثم بهو قمارش، ثم فناء السباع وقاعاته.
٤) المنظرة والحمامات (من الخارج إن كانت مغلقة).
٥) البرطل وممشى الأبراج.
٦) جنة العريف.
ومن يدخل اليوم من شباك التذاكر قرب جنة العريف يعكس الترتيب: يبدأ بجنة العريف وينتهي بالقصبة، ويُبقي القصور النصرية في موعدها المحدد. والدخول إلى القصور النصرية مقيّد بساعة محددة تُختار عند الشراء، فاحجز من الموقع الرسمي وحده.
قبل أن تدخل
التذاكر: احجز حصرًا من الموقع الرسمي (tickets.alhambra-patronato.es) أو عبر الوسطاء المعتمدين، وقبل الزيارة بأسابيع في الربيع والصيف والعطل، فالتذاكر تنفد سريعًا، واحذر المواقع الوسيطة التي تبيع بأضعاف السعر. التذكرة شخصية باسمك ورقم جوازك، وتُطلب الهوية عند كل نقطة تفتيش. التذكرة العامة (Alhambra General) تشمل القصبة والقصور النصرية والمدينة وجنة العريف، أما القصور النصرية فلها موعد دخول محدد بالدقيقة مطبوع على التذكرة، ولا يُسمح بالدخول بعده، وهو الذي ينبغي أن تبني عليه برنامجك كله. وتوجد زيارات ليلية (للقصور النصرية طوال العام تقريبًا، ولجنة العريف في المواسم الدافئة) وهي تجربة ساحرة مع الإضاءة، لكنها لا تُغني عن زيارة النهار. وتباع كذلك تذاكر «الحمراء الأخرى» وتذاكر الحدائق فقط لمن فاتته التذكرة العامة.
المداخل والترتيب: المدخل الرئيس هو «جناح الدخول» (Pabellón de Acceso) قرب جنة العريف في الطرف الشرقي، وإليه تصل الحافلات الصغيرة C30 وC32 من ساحة إيزابيل الكاثوليكية، وفيه موقف السيارات. ولمن يحب الطريق التاريخي: اصعد مشيًا من ساحة «بلاثا نويفا» عبر منحدر غوميريث وباب الرمان، في غابة ظليلة، حتى تصل إلى باب الشريعة، ويمكن لحامل التذكرة المطبوعة أو الإلكترونية الدخول من هناك. وأنسب ترتيب إن كان موعد القصور متأخرًا: باب الشريعة ← باب الخمر ← ساحة الصهاريج ← القصبة ← قصر كارلوس الخامس والمتحف ← القصور النصرية في موعدها ← البرطل ← الروضة والمدينة ← جنة العريف في الختام. وإن كان موعد القصور مبكرًا فابدأ بها ثم عُد إلى القصبة. واحسب ساعة كاملة للمشي من جنة العريف إلى القصبة، لا تتأخر بسببها عن موعد القصور.
الوقت والموسم: خصص نصف يوم على الأقل (٣ إلى ٤ ساعات)، والأفضل يوم كامل بلا عجلة. أجمل المواسم الربيع (أبريل ومايو حين تتفتح الورود وتفيض المياه) والخريف (أكتوبر ونوفمبر)، أما الصيف فحارٌّ جدًّا في الظهيرة، فاختر أول الصباح أو آخر النهار. ارتدِ حذاء مريحًا، واحمل ماءً وقبعة، والصلاة ممكنة في الحدائق في ركن هادئ، وأقرب مسجد قائم هو المسجد الكبير في البيازين قرب مطل سان نيكولاس. وللأطفال وكبار السن: الطريق طويل ومنحدر في مواضع، والحافلة الصغيرة تخفف الصعود.
- ١
باب الشريعة
Puerta de la Justicia
هو المدخل الرسمي العظيم للحمراء من جهة الجنوب، بناه السلطان أبو الحجاج يوسف الأول سنة ٧٤٩هـ/١٣٤٨م، كما تنص الكتابة التأسيسية المنقوشة فوق عقده الداخلي. وسُمّي «باب الشريعة» لأن الساحة التي أمامه كانت فيما يُروى موضعًا لقضاء الحكام وإقامة العدل، ومنه جاء اسمه الإسباني «باب العدالة». وهو برج ضخم يقارب ارتفاعه خمسة عشر مترًا، مدخله منكسر على هيئة زاوية قائمة، وهي حيلة دفاعية أندلسية تمنع المهاجم من الاندفاع المستقيم إلى الداخل.
انظر إلى حجر العقد الخارجي تجد نقش يدٍ مفتوحة، وعلى العقد الداخلي نقش مفتاح. وقد نسجت حولهما الأساطير الإسبانية أن الحمراء لن تسقط حتى تمتد اليد فتقبض على المفتاح. والأقرب في التفسير أن اليد بأصابعها الخمس رمز لأركان الإسلام، وأن المفتاح رمز للفتح وشعار مألوف في عمارة المغرب والأندلس. وفوق المدخل الداخلي تمثال للسيدة العذراء أضافه الملكان الكاثوليكيان سنة ١٥٠١م. وتذكر الرواية القشتالية أن الملكين دخلا الحمراء من هذا الباب يوم تسليمها.
المصدر
دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان، ج٥ (العصر الرابع: نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين)، ص ٢٩٠ و٢٩٢ و٢٦١
- ٢
باب الخمر (البوابة الداخلية للمدينة)
Puerta del Vino
بوابة قائمة وحدها وسط الساحة، كانت المدخل الرئيس إلى المدينة السلطانية (الحي الذي كان يسكنه موظفو القصر وصنّاعه). يرجع بناؤها إلى أوائل العهد النصري، ويُنسب أصلها إلى محمد الثاني، ثم زُيّنت واجهتها الشرقية في عهد محمد الخامس. أما اسمها الإسباني الحديث فمتأخر لا صلة له بالعهد الإسلامي، إذ يرجع إلى القرن السادس عشر حين كان سكان الحمراء يخزنون فيها ما يُعفى من الضريبة.
تأمل الواجهة الغربية تجد نقش المفتاح نفسه الذي رأيته في باب الشريعة، وفي الواجهة الشرقية بقايا بلاطات زليج ملونة (بتقنية الحبل الجاف) في زوايا العقد، ونقوشًا جصية دقيقة، وهي من أوائل الأمثلة على طراز الزخرفة الذي ستراه مضاعفًا في القصور.
- ٣
ساحة الصهاريج
Plaza de los Aljibes
ساحة واسعة بين القصبة والقصور، وكانت في العهد النصري خندقًا يفصل الحصن العسكري عن القصور الملكية. وبعد سقوط غرناطة بعامين، سنة ١٤٩٤م، أمر الكونت تينديا أول حاكم قشتالي للحمراء بإنشاء صهريجين ضخمين تحتها لخزن الماء، ثم رُدم الخندق فصار ساحة، ومنها أخذت اسمها الإسباني الذي حوّره عنان إلى «ميدان الأجباب» من «الجِباب» العربية.
هي أول موضع ترى منه مجموعة الحمراء معًا كما يصف عنان: إلى يمينك قصر كارلوس الخامس، وإلى يسارك القصبة وفي نهايتها برج الحراسة، وأمامك الطرف الخارجي للقصور النصرية. ومن الحافة الشمالية للساحة تطل على حي البيازين المقابل عبر وادي حَدَرُّه، وهي لقطة جميلة للصور.
المصدر
دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان، ج٥ (العصر الرابع: نهاية الأندلس)، ص ٢٩٢
- ٤
القصبة: برج الحراسة وبرج التكريم وحي الجند
Alcazaba (Torre de la Vela, Torre del Homenaje, Barrio Castrense)
أقدم أجزاء الحمراء القائمة وقلبها العسكري، في الطرف الغربي المدبب من الهضبة. أعاد ابن الأحمر بناءها فوق الحصن القديم منذ ٦٣٥هـ، وأقام فيها أول الأمر قبل أن تُبنى القصور. وفيها «برج التكريم» (Torre del Homenaje) الذي يُرجّح أنه كان مقر ابن الأحمر الأول، و«البرج المكسور»، و«برج الحراسة» (Torre de la Vela) أعلى أبراج القصبة (نحو ٢٧ مترًا)، المطل على مرج غرناطة كله. وعلى برج الحراسة رُفع الصليب وعلم قشتالة يوم ٢ يناير ١٤٩٢م معلنًا سقوط غرناطة، وعُلّق فيه بعد ذلك جرس كان يُقرع لتنظيم مواعيد السقي في المرج.
وبين الأسوار «حي الجند» (Barrio Castrense): أساسات بيوت صغيرة مرصوفة في أزقة ضيقة، وحمّام، ومخازن، وصهريج، و«مطمورة» محفورة في الأرض كانت تُستعمل سجنًا. هنا كان يسكن الحرس السلطاني وأسرهم. وقد وصف ابن الخطيب حصن الحمراء في أيام محمد الخامس بأنه «رأس الحضرة، ومعقل الإسلام، ومفزع الملك، وصوان المال والذخيرة»، وذكر أن السلطان جدّد تحصينه بعد أن كان قد تخرّب.
اصعد إلى سطح برج الحراسة: من هنا أوسع منظر في غرناطة كلها، البيازين والكاتدرائية والمرج وجبال شلير. وفي الجهة الجنوبية «حديقة الأسوار» (Jardín de los Adarves)، شرفة هادئة بين السورين.
المصدر
دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان، ج٥، ص ٢٨٩ و٢٦٠؛ الإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب، ج٢، ص ٢٦
- ٥
قصر كارلوس الخامس ومتحف الحمراء
Palacio de Carlos V y Museo de la Alhambra
قصر مربع ضخم على طراز النهضة الإيطالية، بدأه الإمبراطور كارلوس الخامس (شرلكان) سنة ١٥٢٧م بتصميم المعماري بيدرو ماتشوكا، بعد زيارته غرناطة في شهر عسله سنة ١٥٢٦م، وهُدم لأجله جزء من القصور النصرية الجنوبية. وفي داخله فناء دائري فريد تحيط به أعمدة على طبقتين. ولم يكتمل سقفه إلا في القرن العشرين. ويرى عنان، وهو محق، أنه من أعمال التشويه التي أصابت الحمراء، لكنه اليوم جزء من مشهدها.
لا تفوّت متحف الحمراء في طابقه الأرضي (الدخول مجاني): أهم مجموعة للفن النصري في العالم، وفيه «جرّة الغزلان» المذهّبة الشهيرة من القرن الرابع عشر، وأبواب خشبية وتيجان أعمدة وشواهد قبور منقوشة بالخط النسخي والكوفي، وبلاطات ونقوش جصية أصلية من القصور. وفي الطابق العلوي متحف الفنون الجميلة.
المصدر
دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان، ج٥، ص ٢٩٩ و٥١١
- ٦
المَشْوَر والمصلّى
Mexuar y Oratorio
المشور أول ما تدخله من القصور النصرية، وكان قاعة لاجتماع مجلس الدولة وللقضاء والنظر في المظالم والشكايات. بناه في الأصل إسماعيل الأول، وجدده محمد الخامس، ثم حوّله الإسبان في القرن السادس عشر إلى كنيسة صغيرة، فأضافوا إليه المقصورة الخشبية العليا وغيّروا كثيرًا من هيئته. تأمل الإزار السفلي من الزليج الملون، والأعمدة الأربعة الوسطى بتيجانها، والكتابات التي تتكرر فيها عبارة «ولا غالب إلا الله».
وفي طرفه الشمالي «المصلّى»: قاعة صغيرة تطل نوافذها على حي البيازين ووادي حَدَرُّه، وفيها محراب بديع مزخرف موجَّه إلى القبلة، تحيط به آيات قرآنية ونقوش. وفي الكتابات حول المحراب دعوة الزائر إلى الصلاة وألّا يكون من الغافلين. قف لحظة هنا، فهو من الأماكن القليلة التي تحفظ ذاكرة الصلاة في القصر.
- ٧
الحجرة الذهبية وواجهة قمارش
Cuarto Dorado y Fachada de Comares
بعد المشور تخرج إلى فناء صغير بنافورة منخفضة، على يساره «الحجرة الذهبية» (Cuarto Dorado) التي سُمّيت بسقفها الخشبي المذهّب المجدد في عهد الملكين الكاثوليكيين، ومن نوافذها منظر جميل على البيازين.
وعلى يمين الفناء أعظم واجهة في الحمراء: «واجهة قمارش» التي أمر بها محمد الخامس نحو سنة ٧٧٢هـ/١٣٧٠م احتفالًا بفتحه الجزيرة الخضراء. واجهة كاملة من الجص المنقوش الملون كأنها سجادة معلقة، فيها بابان: الأيسر يؤدي إلى مساكن الحرم والخدمة، والأيمن إلى قصر قمارش عبر ممر منكسر. وكان السلطان يجلس أمامها على منصة يستقبل الناس. تأمل أفاريز الخشب المنحوت في الأعلى، والخطوط الكوفية والنسخية المتشابكة، وشعار «ولا غالب إلا الله» المتكرر، وفي الكتابات أبيات تتكلم بلسان الواجهة نفسها وتمدح السلطان.
- ٨
قصر قمارش: فناء الريحان، قاعة البركة، بهو السفراء، برج قمارش
Palacio de Comares (Patio de los Arrayanes, Sala de la Barca, Salón de Embajadores, Torre de Comares)
كان قصر قمارش المقر الرسمي لملوك غرناطة ودار الحكم. بدأه أبو الوليد إسماعيل في أوائل القرن الثامن الهجري، وأكمله ابنه يوسف الأول أبو الحجاج. ويتوسطه «فناء الريحان» أو «فناء البركة» (Patio de los Arrayanes): بركة مستطيلة طولها نحو ٣٤ مترًا يحفّها صفّان من شجيرات الريحان (الآس)، وفي مائها الساكن ينعكس برج قمارش انعكاسًا تامًّا، فهو أشهر منظر في الحمراء كلها. قف في الطرف الجنوبي عند الصباح لترى الانعكاس في أحسن حالاته.
في الطرف الشمالي «قاعة البركة» (Sala de la Barca)، واسمها الإسباني تحريف لكلمة «البركة» العربية المنقوشة على جدرانها دعاءً، فظنّه الإسبان «barca» أي القارب، ولسقفها الخشبي المحدّب هيئة قارب مقلوب فثبت الاسم. ثم تدخل إلى «بهو قمارش» أو «بهو السفراء» (Salón de Embajadores) تحت البرج، وهو قاعة العرش التي كان يجلس فيها السلطان، يقابل كرسيُّه الباب. ارفع بصرك إلى قبته الخشبية العظيمة المؤلفة من آلاف القطع المعشّقة بلا مسامير على هيئة نجوم متداخلة، يُفسَّر تكوينها بأنه رمز للسماوات السبع، وفي أسفلها نُقشت آيات من سورة الملك. وعلى الجدران تتكرر عبارة «عزّ لمولانا السلطان أبي الحجاج» وشعار «ولا غالب إلا الله»، ولاحظ أن عنان نبّه إلى أن نقوش الجدران الحالية في معظمها تجديد حديث، أما القبة فقد حفظت نقوشها الأصلية.
وفي هذا البهو جمع أبو عبد الله الصغير الفقهاء والأعيان قبيل السقوط ليقرّوا شروط التسليم، وفيه جلس الملكان الكاثوليكيان على العرش يوم دخولهما الرسمي. ويروي التقليد الإسباني أن كولومبس عرض مشروع رحلته على الملكين في الحمراء سنة ١٤٩٢م. ويعلو البهو «برج قمارش» بارتفاع نحو ٤٥ مترًا، أعلى أبراج الحمراء وأضخمها.
المصدر
دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان، ج٥ (العصر الرابع: نهاية الأندلس)، ص ٢٩٤ و٢٥٤ و٢٦١
- ٩
الحمّام الملكي (حمّام قمارش)
Baños Reales de Comares
حمّام السلطان الخاص، بناه يوسف الأول ملاصقًا لقصر قمارش، وهو من أكمل الحمّامات الأندلسية الباقية، على النظام الروماني الإسلامي: قاعة الاستراحة وتعرف بـ«قاعة الأسرّة» (Sala de las Camas) بأعمدتها وألوانها الزاهية المجددة، ثم البيت البارد فالدافئ فالحار، وسقوفها مثقوبة بفتحات نجمية تُدخل الضوء وتحبس البخار. ويُروى أن السلطان كان يستمع إلى الموسيقى من شرفة عليا في قاعة الاستراحة.
تنبيه عملي: الحمّام مغلق في الغالب أمام الزيارة العامة لحساسيته، ويُفتح أحيانًا في برامج خاصة أو زيارات محدودة يعلن عنها مجلس الحمراء، فراجع الموقع الرسمي قبل زيارتك. ويمكنك أن تلمحه من «فناء السرو» (Patio de la Reja) في أثناء المسار.
المصدر
دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان، ج٥، ص ٢٩٦
- ١٠
قصر السباع: فناء الأسود ونافورتها، قاعة بني سراج، قاعة الملوك، قاعة الأختين، مطل دار عائشة
Palacio de los Leones (Patio y Fuente de los Leones, Sala de los Abencerrajes, Sala de los Reyes, Sala de Dos Hermanas, Mirador de Lindaraja)
هو درّة الحمراء، بناه السلطان محمد الخامس الغني بالله بعد عودته إلى العرش سنة ٧٦٣هـ/١٣٦٢م، قصرًا خاصًّا للسكنى والراحة، لا للحكم. ويتوسطه «فناء الأسود» (Patio de los Leones)، فناء مستطيل تحيط به أروقة تحملها نحو ١٢٤ عمودًا من الرخام الأبيض النحيلة الرشيقة، وتبرز في طرفيه الشرقي والغربي قبتان على هيئة جوسقين. ويقسم الفناءَ ممرّان مائيان على هيئة صليب يلتقيان عند النافورة، تمثيلًا لصورة الجنة وأنهارها الأربعة. وفي الوسط «نافورة الأسود»: حوض مرمري مستدير يحمله اثنا عشر أسدًا يخرج الماء من أفواهها، ونُقشت على حافة الحوض أبيات للوزير الشاعر ابن زمرك يصف فيها النافورة ونظام مائها، ومطلعها كما نقله عنان:
«تبارك من أعطى الإمام محمدا ... مغانيَ زانت بالجمال المغانيا»
وقد رُمّمت الأسود والنافورة ترميمًا شاملًا انتهى سنة ٢٠١٢م.
في الجنوب «قاعة بني سراج» (Sala de los Abencerrajes)، وأجمل ما فيها قبتها المقرنصة على هيئة نجمة ذات ست عشرة نافذة، كأنها خلية نحل من الضوء. وتزعم الأسطورة الإسبانية أن السلطان استدرج رجال أسرة بني سراج إلى هذه القاعة فقُتلوا واحدًا بعد آخر عند حوضها الرخامي، وأن البقع الداكنة في الحوض من دمائهم. وينبه عنان إلى أن الرواية الإسلامية لا تذكر هذه المأساة بشيء، وإنما أشاعتها القصص الإسبانية ولا سيما كتاب «حروب غرناطة الأهلية» لخينيس بيريث دي إيتا، فهي من الأساطير لا من التاريخ.
في الشرق «قاعة الملوك» (Sala de los Reyes) بثلاث حنايا، وفي سقف الوسطى منها رسوم على الجلد نادرة تمثل عشرة رجال بالعمائم جالسين على وسائد في هيئة مجلس، يُرجَّح أنهم ملوك بني نصر. وفي الشمال «قاعة الأختين» (Sala de Dos Hermanas)، وسُمّيت بلوحين رخاميين كبيرين متساويين في أرضها، وهي القاعة التي تتوجها أروع قبة مقرنصات في العالم الإسلامي، تتألف من آلاف الخلايا المنحوتة. وعلى جدرانها قصيدة لابن زمرك في مدح محمد الخامس ووصف القبة، تتكلم فيها القاعة بلسانها. ثم تنتهي القاعة في الشمال بـ«مطل دار عائشة» أو «عين دار عائشة» (Mirador de Lindaraja، والاسم الإسباني تحريف للعربي)، شرفة صغيرة منخفضة مزخرفة بالزليج والجص، كانت تطل قديمًا مباشرة على البيازين والوادي.
المصدر
دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان، ج٥ (العصر الرابع: نهاية الأندلس)، ص ٢٩٦ و٢٩٨ و٣٠٢–٣٠٣
- ١١
حديقة دار عائشة (ليندراخا)
Jardín de Lindaraja
حديقة صغيرة مغلقة تحت مطل دار عائشة، بأشجار السرو والبرتقال ونافورة في وسطها. كانت في العهد النصري فضاءً مفتوحًا يطل منه المطل على الوادي، فلما بنى الإسبان في القرن السادس عشر حجرات كارلوس الخامس حولها صارت فناءً مغلقًا. وحوض النافورة الرخامي الحالي نصري الأصل نُقل إليها.
وعلى مقربة منها «متزيَّن الملكة» (Peinador de la Reina) في برج نصري حُوّل إلى مسكن ملكي، وحجرات كارلوس الخامس التي نزل فيها الكاتب الأمريكي واشنطن إرفنغ سنة ١٨٢٩م، وكتب فيها «حكايات الحمراء» التي أعادت إليها شهرتها في أوروبا، وتجد لوحة تذكارية باسمه على الجدار.
المصدر
دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان، ج٥، ص ٢٩٨ و٣٠٣
- ١٢
البرطل وبرج السيدات
El Partal y Torre de las Damas
بعد الخروج من القصور تصل إلى حدائق البرطل (من الكلمة الإسبانية Partal أي الرواق)، وفي صدرها أقدم قصر قائم في الحمراء: قصر صغير يتقدمه رواق بخمسة عقود يطل على بركة واسعة يحرسها أسدان حجريان، ويعلوه «برج السيدات» (Torre de las Damas) بشرفته المطلة على الوادي. ينسب إلى السلطان محمد الثالث في مطلع القرن الثامن الهجري (أوائل القرن الرابع عشر الميلادي)، أي أنه أقدم من قمارش والسباع. وقد احتفظ ببعض سقوفه الخشبية الأصلية، ونقل أحدها إلى متحف في برلين.
وإلى جانبه «مصلّى البرطل» الصغير بمحرابه، وصفّ من البيوت النصرية الصغيرة في بعضها رسوم جدارية نادرة لمشاهد صيد ومواكب. هذا المكان أجمل موضع في الحمراء للجلوس والتأمل، وانعكاس البرج في البركة مع البيازين في الخلفية من أجمل اللقطات.
- ١٣
أبراج السور: برج الأسيرة وبرج الأميرات
Torres de la muralla (Torre de la Cautiva, Torre de las Infantas)
يمتد من البرطل إلى جنة العريف ممشى بين السورين يمر بعدد من الأبراج التي كانت قصورًا مصغرة للسكنى، لا مجرد أبراج حراسة، وهي ما يسميه أهل العمارة «القلعة الحرة». أشهرها «برج الأسيرة» (Torre de la Cautiva) الذي بناه يوسف الأول، وفي داخله قاعة بديعة الزخرف، على جدرانها قصائد للوزير الشاعر ابن الجيّاب أستاذ ابن الخطيب، تسمي البرج «قلهرّة» وتصفه بالقصر. أما اسم «الأسيرة» فإسباني متأخر نسجت حوله الحكايات. ويليه «برج الأميرات» (Torre de las Infantas) من عهد محمد السابع حوالي سنة ٨٠٠هـ/١٤٠٠م، وزخرفه يدل على بداية الضعف الفني في أواخر الدولة. وأسماء الأبراج كلها، عدا برج قمارش، من تسمية الإسبان كما نبّه عنان.
وعلى هذه الأسوار يسجّل ابن الخطيب مشهدًا لافتًا: بعد انتصار المسلمين في وقعة المرج قرب غرناطة سنة ٧١٩هـ/١٣١٩م، جُعلت جثة ملك قشتالي قتيل في تابوت خشبي ونُصبت على سور الحمراء «يسار الداخل بباب يعقوب من أبوابها»، ثم تفقّدها ابن الخطيب بعد خمسين سنة حين كان ينوب عن السلطان في دار ملكه، فوجد في عظامها سنانًا من رماح المجاهدين لم يزل مغروسًا. تنبيه: داخل البرجين لا يُفتح إلا أحيانًا ضمن برنامج «فضاء الشهر» الذي يعلنه مجلس الحمراء.
المصدر
دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان، ج٥، ص ٢٩٠؛ الإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب، ج١، ص ٢٠٨
- ١٤
الرَّوضة (مقبرة ملوك بني نصر)
Rauda (cementerio real nazarí)
إلى الجنوب من قصر السباع، قرب قصر كارلوس الخامس، بقايا «الروضة»: المقبرة الملكية لبني نصر، وهي قاعة مربعة ملحقة بالمسجد الجامع للحمراء دُفن فيها عدد من السلاطين، منهم إسماعيل الأول ويوسف الأول ومحمد الخامس. ولم يبق منها اليوم إلا الأساسات وبعض الجدران، ويمكن رؤيتها من الممر. ويذكر ابن الخطيب أن السلطانة الحرّة فاطمة بنت السلطان محمد الثاني، أم إسماعيل الأول وجدة يوسف الأول، دُفنت سنة ٧٤٩هـ «داخل الحمراء» وقد جاوزت التسعين، في جنازة حافلة شهدها حفيدها السلطان أبو الحجاج، ووصفها بأنها كانت «تاريخًا للأنساب».
وحين سلّم أبو عبد الله الصغير غرناطة سنة ١٤٩٢م نقل رفات أسلافه من الروضة إلى مندوخار (Mondújar) في وادي الإقليم بالبشرات، حتى لا تبقى قبورهم تحت حكم القشتاليين. وقد عُثر في الروضة على شواهد قبور رخامية منقوشة محفوظة اليوم في متحف الحمراء، فلا تفوّت رؤيتها هناك.
المصدر
الإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب، ج١، ص ٢٠١–٢٠٢
- ١٥
المدينة السلطانية والشارع الملكي
Medina y Calle Real
الجزء الجنوبي الشرقي من الهضبة كان مدينة حقيقية يعيش فيها موظفو الدولة والصنّاع والخدم، بأسواقها ومساجدها وحماماتها وورش الخزف والزجاج. ويخترقها «الشارع الملكي» (Calle Real) من باب الخمر إلى الطرف الشرقي. وعلى هذا الشارع كان المسجد الجامع للحمراء الذي بناه السلطان محمد الثالث وتأنّق في زخرفته، فهُدم وقامت مكانه في القرن السابع عشر كنيسة القديسة مريم (Santa María de la Alhambra)، ولم يبق منه إلا مصباح برونزي ضخم محفوظ في المتحف الأثري الوطني بمدريد. ويبقى قرب الكنيسة حمّام المسجد، وهو من الحمامات العامة النصرية الصغيرة.
وفي آخر الشارع «دير سان فرانسيسكو» الذي بُني فوق قصر نصري (لا تزال بعض قاعاته باقية) ودُفن فيه الملكان الكاثوليكيان مؤقتًا قبل نقلهما إلى الكنيسة الملكية في غرناطة، وهو اليوم فندق «بارادور». وتجد في الطريق أساسات قصور نصرية مهدمة مثل قصر أبنسراج وقصر الإسبرّانا، تدل على كثافة البناء الذي كان قائمًا.
المصدر
دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان، ج٥ (العصر الرابع: نهاية الأندلس)، ص ٢٩٠
- ١٦
جنة العريف: فناء الساقية، فناء السلطانة، درج الماء، الحدائق العليا
Generalife (Patio de la Acequia, Patio de la Sultana, Escalera del Agua, Jardines Altos)
قصر صيفي وبستان للسلاطين على تلّ مستقل شرقي الحمراء، يُعرف قديمًا بجبل الشمس. بدأه محمد الثاني أواخر القرن السابع الهجري، وجدد زخرفه أبو الوليد إسماعيل سنة ٧١٩هـ/١٣١٩م احتفالًا بالنصر في وقعة المرج. واختُلف في معنى الاسم، والأشهر أنه «جنّة العريف» أي بستان المهندس أو الرئيس. وكان السلاطين يأوون إليه للراحة والاستجمام، ومنه نجا محمد الخامس بنفسه سنة ٧٦٠هـ حين ثار عليه أخوه إسماعيل، إذ كان متحوّلًا بأهله إلى سكنى جنة العريف خارج القلعة. وقد تغنّى الوزير ابن زمرك بغرناطة في موشحه «نسيم غرناطة عليلٌ ... لكنه يُبرئ العليل»، وفيه يصف الحمراء عروسًا على هضبتها:
«عقيلةٌ تاجُها السبيكة ... تطلّ بالمرقب المنيف
كأنّها فوقه مليكة ... كرسيُّها جنّةُ العريف»
أشهر ما فيه «فناء الساقية» (Patio de la Acequia): قناة ماء طويلة تتقاطع فوقها نوافير متقابلة بين أحواض الزهور، على جانبيها رواقان، وفي طرفه الشمالي جوسق يطل على الحمراء والبيازين. ثم «فناء السلطانة» أو فناء السرو (Patio de la Sultana) بشجرة سرو قديمة يابسة نسجت حولها الحكاية الإسبانية لقاءَ زوجة أبي عبد الله بأحد فرسان بني سراج، وهي أسطورة بلا أصل. وفوقه «درج الماء» (Escalera del Agua): درج حجري تجري المياه في قنوات منحوتة على درابزينه، تحت أقواس من شجر الغار، من أبدع ما بقي من فن الماء الأندلسي. أما «الحدائق العليا» و«الحدائق الجديدة» والمسرح المكشوف فإضافات من القرنين التاسع عشر والعشرين، جميلة لكنها ليست نصرية. والطريق إليه يمر بـ«البساتين» (Huertas) التي ما زالت تُزرع إلى اليوم كما كانت.
المصدر
دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان، ج٥، ص ١٤٠ و٢٩٨–٢٩٩ و٤٨٤؛ نفح الطيب للمقري (ت. إحسان عباس)، ج٧، ص ٢٤٢–٢٤٣؛ الإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب، ج٢، ص ١١
- ١٧
باب الطباق السبع
Puerta de los Siete Suelos
باب في السور الجنوبي للحمراء، يُسمى بالعربية «باب الطباق السبع» لكثرة طبقات أقبيته وسراديبه كما تزعم الروايات الشعبية. ومن هذا الباب، في الرواية الإسبانية الغالبة التي ينقلها عنان، خرج أبو عبد الله محمد الثاني عشر راجلًا يوم ٢ يناير ١٤٩٢م يتبعه خمسون من فرسانه وحشمه، للقاء الكاردينال مندوثا الصاعد بجنده من جهة «تل الرحى»، فسلّمه القصور قائلًا ما معناه: تسلّم هذه القصور باسم الملكين اللذين أراد الله أن يستوليا عليها. ثم مضى إلى لقاء فرناندو على ضفة نهر شنيل فسلّمه المفاتيح. ويناقش عنان روايات أخرى ترى أن أبا عبد الله خرج يومئذ من داره في البيازين لا من الحمراء، ويرجح أنه كان مقيمًا بالحمراء حتى يوم التسليم.
وتضيف الحكاية الإسبانية أن أبا عبد الله طلب ألّا يدخل أحدٌ من بعده من الباب الذي خرج منه، فسُدّ إلى الأبد. ثم نسف الفرنسيون الباب وجزءًا من السور عند انسحابهم سنة ١٨١٢م، وما تراه اليوم إعادة بناء حديثة. قف هنا فهو أكثر مواضع الحمراء شجنًا، ومنه تبدأ قصة «زفرة العربي الأخيرة» على طريق البشرات.
المصدر
دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان، ج٥ (العصر الرابع: نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين)، ص ٢٥٨ و٢٦٠ و٢٦٢–٢٦٣
- ١٨
مطل سان نيكولاس (بعد الزيارة)
Mirador de San Nicolás
في أعلى حي البيازين، الحي الأندلسي العتيق المقابل للحمراء، ساحة أمام كنيسة سان نيكولاس، تتيح أشهر منظر للحمراء في العالم: القصبة وبرج قمارش والأسوار، وخلفها ثلوج جبل شلير. أجمل الأوقات قبيل الغروب، حين تتوهج الأسوار بالحمرة التي ربما منحتها اسمها. وإلى جانبها المسجد الكبير بغرناطة (افتتح سنة ٢٠٠٣م) بحديقته المطلة على المنظر نفسه، فاجمع بين صلاة المغرب ومشهد الحمراء. وانتبه لمتعلقاتك فالمكان مزدحم.
- ١٩
ممشى الحزانى على وادي حَدَرُّه
Paseo de los Tristes (Paseo del Padre Manjón)
ممشى على ضفة نهر حَدَرُّه عند سفح الحمراء الشمالي، ترى منه أسوار الحمراء وبرج قمارش من الأسفل شاهقة فوقك. سُمّي «ممشى الحزانى» لأن مواكب الجنائز كانت تمر منه إلى مقبرة المدينة. وفي طريقك إليه على شارع «كاريرا دل دارو» تمر بأطلال «جسر القاضي» (Puente del Cadí) الأندلسي، وبقناطر حجرية صغيرة فوق النهر. والمنظر الليلي حين تُضاء الحمراء من أجمل مشاهد غرناطة.
- ٢٠
الحمّام الصغير (حمّام الجوزة)
El Bañuelo
حمّام عام أندلسي على شارع كاريرا دل دارو، يرجع إلى القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي في عهد بني زيري، أي قبل بني نصر، وهو من أقدم وأكمل الحمامات العربية الباقية في إسبانيا. سلِم من الهدم لأنه صار بعد السقوط جزءًا من بيت خاص. تأمل قاعاته المتتالية (البارد والدافئ والحار) وعقودها الحذوية على أعمدة بعضها بتيجان رومانية وقوطية أعيد استعمالها، وسقوفها المثقوبة بفتحات نجمية. صغير لكنه مؤثر، وزيارته قصيرة.
- ٢١
دار الحرّة
Palacio de Dar al-Horra
قصر نصري صغير في أعلى البيازين، على أطلال القصبة القديمة لبني زيري، ينسب إلى عائشة الحرّة أم أبي عبد الله الصغير، تلك الأميرة الصلبة التي قادت حزب ابنها في وجه زوجها السلطان أبي الحسن. والحرة لقب كانت تلقب به الزوجة الشريفة الأصل من بنات الملوك. وهو قصر من القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي، حوّلته إيزابيلا بعد السقوط إلى دير. فيه فناء مستطيل ببركة ورواقان، ومطل علوي على المدينة، ويعطيك صورة لبيت أرستقراطي غرناطي في أيام الدولة الأخيرة. ساعات فتحه محدودة، فتحقق منها قبل الذهاب.
المصدر
دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان، ج٥، ص ١٩٩–٢٠٠
- ٢٢
المدرسة اليوسفية (المدرسة النصرية)
La Madraza (Madrasa Yusufiyya)
قبالة الكنيسة الملكية في وسط غرناطة، أنشأها السلطان يوسف الأول أبو الحجاج سنة ٧٥٠هـ/١٣٤٩م، فكانت أول جامعة في غرناطة، درّس فيها كبار علماء العصر، ودرس فيها ابن الخطيب وأقرانه. وقد حُوّلت بعد السقوط إلى دار للمجلس البلدي وتغيّرت واجهتها، لكنها احتفظت بتحفتها: قاعة الصلاة بمحرابها المثمن وقبتها المقرنصة الأصلية المزخرفة بالألوان، وقد كُشف حديثًا عن بقايا الزخارف والكتابات الأصلية. تتبع اليوم جامعة غرناطة وتفتح للزيارة، وهي خاتمة مناسبة لرحلة الحمراء: من قصر الملك إلى بيت العلم الذي أنشأه الملك نفسه.